الشيخ أحمد بن علي البوني
163
شمس المعارف الكبرى
عما قال ، ويظهر فيك من الصور والمعاني تسمية الحدوث واستنارات الحضرة الحقيقية بسجف أستارها وأعبائها قال الشاعر : تسترت من دهري بظل جناحه * بحيث أرى دهري وليس يراني فلو تعلم الأيام اسمي ما درت * وأين مكاني ما درين مكاني فمثل هذا الإحصاء يدخل المتخلق جنة الامتنان التي هي محل سر غيب الغيب المشار إليها بقوله عليه السّلام : فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . والإشارة إليها بقوله تعالى إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ قلت : مع أن السلف الصالح لم يرتقوا لحقائق الملكوت وعجائب الجبروت ، إلا بتحقيق التخلق بالأسماء ، إلى أن ينقلب كل اسم في حق مقامه أعظم مما يرد فيه ويراه من مواهب اللّه ولطائف الحكم ، ومهما سمعت الأعظم على لسان هذه الطائفة فهذه حقيقته ، فإذا علموا هذه الأسماء عادت إليهم أسماء أعظم وذلك في كمالات المقامات وانتهاء الغايات ، فلا يبقى لهم اسم يسلكونه للتخلق ، بل يعينون في اسم الذات الذي هو حقيقة التخلق وهوية وقع الأمر لقوله : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ثم لا جرم وإن كانت الأعمال باختلاف مقاصدها واجتهاد العالمين بأطوارها ، موصلة بطهارة القلوب ومبادئ الكرامات ، وتلويح الأحوال والسالكون على صراط الأسماء ، ومعارج الارتقاء ينكشف لهم الأسرار الملكوتية ، والتشكلات الأسمائية في أسرع وقت وأقرب مدة ، فظهر عليهم أنوار الحكمة بلطائف العموم وحقائق العلوم الوهبية الملكوتية ، وذلك لقصد الطريق على التحقيق والسلوك بالإخلاص والتصديق . فصل : وقد اختلف الناس في الاسم ، هل هو مشتق من السمو أو السمة ؟ وفي ذلك إشارة لطيفة . واعلم أن السائرين إلى اللّه قسمان : مراد مقام ، أو مريد قائم ، فأما المريد القائم ، فكل اسم يقوم به فيكون مأخوذا من وسم الاسم ، وأن يكون مرادا ويرتقي إلى درجة المراد ، فإن الأسماء ترقيه وهو ساكن لاستغراقه في مشاهدة أنوار التجلي في معاني الأسماء ، فيسمو قدره عن السلوك بالأسماء فيكون الاسم في حقه سموا مأخوذ من سما يسمو إذا علا إشارة في ظهور الأسماء ، فذلك أن المآل في الآخرة للبقاء ، والمآل في الدنيا للفناء فأوصافك في الدنيا فانية من نسبتها ، فمنّ اللّه عليك بأسمائه الباقية لتشاهد حقائقها في الموعود في الفناء المشهود كما قال الصديق : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، ولأنك إذا دعوته بأسمائك فتدعو الباقي بالفاني ، فإنك إذا كنت بك كنت بما لم يكن ، وإذا كنت به كنت بما لم يزل فمثال ما بين الاسمين وبعيد ما بين الحكمين قال تعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أي من نفوسكم وأسماء أوصافكم ، وقال تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها إشارة أخرى ، وذكرك في أزله بل أبده بأسمائك الحسنى حيث قال تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الآية ، ثم أمرك أن تذكره بأسمائه ، فتحيرت حقيقتك في بحار الهيمان ، وتاه عقلك في قفار البحر ، فرحمك بدليل اللطف . وقائده الرحمة والرأفة فقال تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ فوصفك بأحسن أسمائه الذي سماك فهي ستة : فأمرك بذكر